GLOBALADVOCACY . c o m

! كل واحد منكم يمكنه ان يخلق الحدث

   



 

 

 

 

هل يمكننا بناء دولة علمانية وحديثة في لبنان ؟

السيد زياد ماجد
نائب رئيس حركة اليسار الديموقراطي

اعتقد ان هناك مسارا تدريجيا يمكن ان يوصل الى العلمنة لكنها برأيي شرط اساسي لدولة ديموقراطية عصرية يعيش فيها الانسان كفرد وكجزء من مجموعة بناء على قناعاته السياسية والفكرية وعلى ممارسته للمواطنية وليس على انتمائه لهذا المذهب او ذاك

 

قضية العلمنة هي قضية على قدر عال من الاهمية. العلمنة تعني ليس فقط التبسيط المتداول وهو فصل الدين عن الدولة بل هي ايضاً تعني منظومة فكرية تعتبر ان الحيّز العام هو حيّز لا علاقة للاديان به، اكان سياسيا او اداريا او ثقافيا او فنيا. يعني موضوع ان يبقى الدين حكراً على المساحة الخاصة حيث يمكن للاشخاص والجماعات ممارسة شعائر دينية من جهة على ان يكون الحيّز العام سياسيا كما ذكر وتربويا ايضا، يعني ايضا مناهج التعليم ان تكون متحررة بالكامل من اي علاقة يكون الدين فيها بموقع املائي لقيم او لمفاهيم او لقضايا معينة

فالعلمنة بهذا المعنى هي تكريس لمبدأ المواطنية، يعني المواطن هو فرد له حقوق وعليه واجبات وهذا الفرد يتفاعل ضمن جماعة حيث يعيش لكن بمعزل عن انتماءاته الاولية يعني انتماءاته الدينية. والعلمنة بهذا المعنى لا تعني الالحاد. الالحاد هو موقف فكري وفلسفي يمارس ويعتبره الفرد ايضا وسيلة للقول انه لا يلتزم بديانة من الاديان في حين ان العلمنة يمكن للفرد ان يكون ملتزما دينيا لكن هذا الالتزام لا علاقة له بسلوكه السياسي ولا يستطيع مثلا تحت حجة التديّن ان يتمنى على المناهج الدراسية ان تتجنب مواضيع معينة من الفكر الدرويني الى قضايا تربوية لها علاقة بقيم عادة ما للاديان موقف منها

فموضوع العلمنة هو منظومة شاملة والمقصود بها في لبنان، لتمييزها عن الغاء الطائفية السياسية، هي ان الغاء الطائفية السياسية هو فقط الغاء للعلاقة ما بين الانتماء الديني والمنصب السياسي، يعني يستطيع رجال الدين ان يستمروا في التعاطي في الشؤون السياسية بشكل مباشر، يمكن للمناهج التربوية ان تخضع لسلطة رجال الدين او مؤسسات دينية، يمكن لموضوع الاعلام ان يبقى مرتبطاً في بعض الاحيان بقضايا دينية. يمكن للكثير من الامور ان تبقى كما هي اليوم قائمة في لبنان كما ان فكرة الزبائنية التي يولدها النظام السياسي اللبناني يمكن ان تستمر لكن فقط يكون هناك الغاء للمناصب الطائفية او الموزعة على الطوائف. وبهذا المعنى، الغاء الطائفية السياسية هو شعار قاصر اذا اردنا بناء دولة مواطنية، يعني العلمنة تصبح هي الشعار الأهم

المشكلة في لبنان ان هناك فهما سيئا للعلمانية يمزج، بسبب الجهل او بسبب الديماغوجية احيانا، يمزج بينها وبين موضوع العداء للاديان في حين ان ليس هذا هو المقصود من جهة ومن جهة اخرى، هناك بعض رمي الكرة، كل طرف يرميها عند الطرف الآخر يعني يتحدّث بعض المسلمين، رجال الدين او السياسة المسلمين، مطالبين بالغاء الطائفية السياسية ويضمرون بذلك نوعاً من التخويف الدمغرافي للمسيحيين بحجة ان الغاء الطائفية السياسية قد يأتي بغلبة طائفية مسلمة في ظلّ التطوّر الدموغرافي في البلد

فيرّد احيانا بعض السياسيين ورجال الدين المسيحيين بالمطالبة بالعلمنة علما ان هناك موقفاً اعتقد انه لا يستند الى اسس فكرية، لكن عند رجال الدين المسلمين، يعتبر ان العلمنة تتنافى مع الاسلام كون الاسلام هو دين ودنيا وهو ينظم حياة الانسان ليس فقط انطلاقا من مبدأ الآخرة بل حتى في السياسات اليومية

في حين ان هناك رجال دين متنورين من المسلمين يتحدثون عن العلمنة بصفتها شرطا لا يتنافى على الاطلاق مع الاسلام. انما في هذا التكاذب اللبناني الداخلي احيانا، كل طرف من اجل تأجيل البحث في بنية النظام يرمي الكرة عند الطرف الآخر عارفا سلفا ان الآخر سيرفضها. لذلك اعتقد ان الخروج من هذا يكون بطرح تصور تدريجي يوصل الى العلمنة ويوصل الى دولة المواطنة والى الدولة المدنية لكنه ايضا يأخذ بعين الاعتبار الواقع السوسيولوجي الطائفي في لبنان، لا يستسلم له، لكن يمكن مثلا استحداث مجلس شيوخ من جهة تكون الانتخابات فيها على اساس طائفي تراعي التمثيل 50 بالمئة 50 بالمئة بمعزل عن العامل الديموغرافي ويتحرر مجلس النواب التشريعي والرقابي من اي انتماء طائفي، تتحرر الادارة من الطائفية من خلال استحداث مجالس جديّة، يعني مجلس خدمة مدني جدي، مجالس رقابية، امتحان على اساس الكفاءة، يعني يمكن ايجاد آليات تطوير الجامعة اللبنانية بوصفها جامعة عامة ينتسب اليها الطالب من دون الحاجة للمرور بزعيم طائفي هنا او هناك. ايضا يفكفك من بنية النظام الطائفي. نفس الامر بالنسبة للبلديات اذا تمّ تطوير عملها وهي اساسا في لبنان تنتخب على اساس غير طائفي

يعني هناك مجالات عديدة لتطوير الوصول نحو الغاء الطائفية وحتى يمكن لنا البحث بالنسبة لموضوع العلمنة من نوع مثلا العلمنة الاختيارية وهذه طرحت في السابق عندما حكي عن زواج مدني اختياري انه يمكن لمن يريد ان يتزوج مدنيا وفي لبنان هذه مسألة مضحكة، يعني يذهب الى قبرص او الى تركيا او الى فرنسا ويتزوج ثم يسجلون زواجه هنا على انه زواج عادي، في حين انه يمكن لمحاكم مختصة في لبنان لمن يشاء ان تجري زواجا مدنيا وبمن لا يشاء ان يلتزم بالقضاء الجعفري او الاسلام الشرعي اوالكاثوليكي... يكون هناك من جهة قضاء موحّد للشؤون المدنية وقضاء او بالاحرى مجموعات اخرى دينية يلتزم بها

اعتقد ان هناك مسارا تدريجيا بمكن ان يوصل الى العلمنة لكنها برأيي شرط اساسي لدولة ديموقراطية عصرية يعيش فيها الانسان كفرد وكجزء من مجموعة بناء على قناعاته السياسية والفكرية وعلى ممارسته للمواطنية وليس على انتمائه لهذا المذهب او ذاك مما يحدّد اي قدرة له على التطور ضمن النظام السياسي او ضمن النظام الاداري ومما يجعل كل طائفة تعتبر ان اي مكتسب لها اذا تعرّض لاي خطر، فان هذا تعزيز لوجودها وليس فقط للمسؤول الموجود في موقع معين. يعني علينا تحريرالعقلية اللبنانية من هذه القضايا لانها اسوأ ما يمكن ان نواجهه في المرحلة القادمة

27.4.2005
 

السيد زياد ماجد
نائب رئيس حركة اليسار الديموقراطي
باحث وكاتب سياسي

doteasy.com - free web hosting. Free hosting with no banners.

 

 

 


Copyright © 2004-2005 GlobalAdvocacy.com 
    
 All Rights Reserved

User Agreement | Privacy Policy