GLOBALADVOCACY . c o m

! كل واحد منكم يمكنه ان يخلق الحدث

   



 

 

 

 

اقتراح إنشاء مركزٍ للموسيقى العربيّة العالمة في بيروت

المهندس احمد يوسف

انّ الأجيال الجديدة تنمو جاهلةً للمخزون الموسيقي التاريخي الثري. وباتت الأُذُن العربيّة الشابّة تستمع اليوم إلى موسيقى مجردةٍ من فحواها، لذلك يُخشى أن تُصبح السلالم اللحنية العربيّة غريبةً عن هذه الأذن، مما يهدّد الموسيقى العربية العالمة الأصيلة بالانقراض

فيما يلي اقتراح لإنشاء مركزٍ للموسيقى العربيّة في بيروت، لا يتوخى الربح. يبدأ هذا العرض بشرح لأهداف المركز، ثم يقدّم ملخصاً عن المراحل المفصلية في تاريخ الموسيقى العربية وموجزاً عن خصائصها، وصولاً إلى ما آلت إليه اليوم، وينتهي بطرح خطة عمل إجرائيّة

أهداف المركز

الهدف الأساسي من المشروع هو إنشاء مركز للبحوث والتوثيق والنشر والتعليم في حقل الموسيقى العربيّة المشرقيّة العالمة (1) . وتتلخص الأهداف التي نقترحها بما يأتي  ـ

  البحث والتوثيق

أ - اقتناء التسجيلات الموسيقية النادرة وحفظها بطريقة علميّة حديثة

ب - تجميع نسخ عن المخطوطات الخاصّة بالتاريخ الموسيقيّ ووضعها في متناول الباحثين

النشر والتعميم

أ - نشر كتب تعليمية حديثة عن التقاليد الموسيقيّة العربية

ب - إصدار مجلّة بحثيّة علميّة في موضوع الموسيقى العالمة في العالم العرب

ج - إعادة نشر مختارات أساسيّة من التسجيلات القديمة : الأقراص ذات الـ78 دور

د - إعادة تسجيل المخزون التاريخي مع موسيقيّين معاصرين، بوسائلٍ تقنيةٍ حديثة

هـ- إقامة حفلاتٍ دوريةٍ للسماع ولتعريف الأجيال الناشئة على جماليات الموسيقى العربية

و ـ إنتاج برامج تلفزيونية ومعلوماتيّة تثقيفيّة موسيقية

التعليم

أ - وضع منهج تعليمي يرتكز على كتب علمية حديثة مع الاخذ بالاعتبار الطريقة التقليديّة في تعليم الموسيقى العالمة العربيّة

ب - اختيار مجموعة من الموسيقيّين المرشدين (متفرّغين للمهمّة) ليتولّوا عمليّة تعليم التقليد المذكور إلى جيل جديد من الموسيقيّين العرب

الخلفية التاريخية

نشأ التقليد الموسيقي العربي الكبير انطلاقاً من الترانيم الشعبيّة الحجازيّة الجاهليّة التي نشأت من خلال براعم موسيقية كالحداء (غناء القافلة) وتحوّلت إلى تقليد غنائيّ فنّيّ متّقنٍ في العصر الأموي، وثم إلى موسيقى عالمة في العصر العباسيّ وذلك على أثر التفاعل مع موسيقى الحضارات المجاورة كالفارسية والبيزنطية والتنظير الاغريقي. فقد شهِد العصر الوسيط تنظيراً أولياً لسلالمٍ لحنيةٍ عربيةٍ (أو ما يعرف في العصر الحديث بالمقامات) على يد إسحاق الموصلي في القرن الثالث للهجرة (التاسع ميلادي)، هو نظام الدساتين ونظام الأصابع والمجاري، ثمّ وضع ابو نصـر الفارابـي أوّل تنظيـر شامـل ومتكـامل يؤكـد على أهمّيـّة "وسطى زلزل" (وهي مسافة الربع طنين نسبةً الى عازف العود العباسي منصور زلزل) في تكوين السلالم اللحنيّة العربيّة. وقد تابع التنظير الموسيقي عدة علماء امثال ابن سينا وابن زيلا، وصولاً إلى صفيّ الدين الأرمويّ في القرن السابع للهجرة اي الثالث عشر ميلادي

وقد شهد كلّ من التنظير والمراس الموسيقيّين تجاذبًا مستمرًّا بين النزعات العروبيّة والشعوبيّة على مدى العصر العباسي، الى ان تكوّن جذع موسيقـيّ مشتـرك عـربيّ - فارسـيّ ثـمّ عربيّ – فارسيّ - عثمانيّ، ساس الأنشطة الموسيقيّة كافّة في أقطار المشرق

لكّن العصر الحديث شهد جنوحًا نحو آفاق جديدة، بدأ مع العثمانيين الذين خرجوا عن النظام اللحني المشترك في القرن الثامن عشر وتخلّوا عن المسافات الزلزليّة. مما دفع بعض الأوساط العربيّة الى ترسيخ المسافات الزلزليّة، للحفاظ عليها، من خلال اعتماد فكرة أرباع الطنين المتساوية

ثمّ تحوّلت ردّة الفعل تلك إلى نهضة موسيقيّة تزامنت مع النهضة الثقافيّة العربيّة في القرن التاسع عشر، بدءًا من لبنان مع ميخائيل مشّاقة، وسوريّة عبر الحلقات الصوفية في حلب، وصولاً إلى ضفاف النيل مع بزوغ مدرسة عبده الحامولي ومحمد عثمان خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. وقد شكّل التيّار النهضويّ الأخير شكلاً من أشكال الانبعاث للتقليد الموسيقيّ الكبير الذي عرفه العرب خلال العصر العبّاسيّ اذ اتبع هذان الموسيقيان نهجاًً نهضوياً مبنياً على التوفيق بين العناصر المختلفة للغناء الشعبي المصري والترنيم الديني والموشحات الحلبية والموسيقى العثمانية فنشأ بنتيجة هذا التجديد قالبٌ موسيقي مركـب سُمي بالوصلة التي تتوالى خلالها ثلاثُ فقراتٍ أساســـيةٍ في مقــامٍ واحـدٍ هي الاســتهلالُ في البدايــة (موشح مثلاً)، ثـم التفريـد (موال او تقاسيم)، وفقرة ختام في الذروة (قصيدة او دور)، وكأنما هنالك طرح ونقيضه وجمع بين الاثنين

بعدَ وفاة الحامولي وعثمان في مطلع القرن العشرين، حمل راية التجديد المتأصل مجموعة من تلامذة النهج الحامولي كالشيخ يوسف المنيلاوي والشيخ أبو العلا محمّد والشيخ سيد الصفتي ومحمّد العقّاد وسامي الشوّا وصالح عبد الحيّ...، واستفادوا من ظهور آلة الفونوغراف لتسجيل رصيد تلك المدرسة وحفظها للأجيال

ثم شهِدَت بداية القرن العشرين ولادة جيل جديد من المبدعين، أمثال عبد الوهاب وأم كلثوم وسيّد درويش ومحمد القصبجي ورياض السنباطي وزكريا احمد. وتابع هؤلاء المبدعون العمل على أساس منهجيّة التجديد المتأصل، فقدّموا روائع موسيقية متّوجين عصراً ذهبياً عربياً بامتياز

لكن لم يتيسّر للتيار التجديديّ المذكور أن يستمرّ في نموّه في حقبة الثلاثينيّات، عندما هيمن مركّب النقص حيال الغرب على أذهان النخب المثقّفة الطالعة في العالم العربيّ

وقد نتج عن ذلك وضع التقليد المذكور في موقع الفولكلور البالي، واتّجه كثير من الملحنين، نحو منحىً يدمج بين اللغتين الموسيقيّتَين العربيّة والغربيّة، وذلك رغمًا عن عدم قابليّة مثل هذا الدمج على توليد نظام موسيقيّ جديد ومتماسك، فنمت أشكال من الأغنية العربيّة الناجحة جماهيريًّا والمتأثّرة بالأغنية الاستهلاكيّة الغربيّة، وتوارت أشكال الموسيقى العربيّة الأصيلة

ساهمت هذه النزعة " التحديثية " في الابتعاد عن اللغة النغمية المقامية، وشاع الاقتباس لجملٍ موسيقيةٍ منقولةٍ عن الغرب، كما شاع استعمال آلاتٍ موسيقيةٍ غربيةٍ لا تتآلف مع السلالم اللحنية العربية الزلزلية كالبيانو مثلاً، مما أدى إلى إقحام فكرة النظام الغربي الهارموني المبني على تآلف عامودي بين النغمات في النظام اللحني العربي ذي السمة النغمية المقامية الأفقية. كما زالت فكرة الارتجال حيث تندمج وظيفة المؤدي والملحّن في التخت الموسيقي المؤلف من عازفين منفردين واستبدلت بالتثبيت اللحني المستورد الذي يضع المؤدي في قفص ذهبي بعيداً عن منظومة الارتجال في الأداء. وفي سياق هذا الانزلاق الخطير غابت الأشكال الموسيقية العربية الكلاسيكيّة كالدور وترنيم القصيدة على ضرب الوحدة وإنشاد الموشّح، واستُبدلـت بمصطلح “الأغنية "، كما استُبدِل التختُ الموسيقيُ العربـيُ الذي أعطى الموسيقى العربية رِقة المصاحبة الآلية المنفردة بـ"اوركسترا" وكورس كبيرَين، يحويان عدداً كبيراً من العازفين سعياً وراء تعظيمٍ غير مستحبٍ، ناتجٍ عن انبهار البعض بالنموذج الغربي

كما وصلت النزعة الاستهلاكية إلى ذروتها مؤخراً مع دخول تقنيات الأغنية المصورة إلى عالم الموسيقى العربية بما تتضمنُه من عرض لا يتوخى أحياناً سوى الترفيه السهل والمبتذل

خصائص الموسيقى العربية العالمة

يتميّز التقليد العربيّ المتجدّد في العصر الحديث باعتماده على اربع ركائز، هي التالية  ـ

ـ مقامات مكوّنة من سلالم نغميّة خاصة بالموسيقى العربية، لا سيّما الجنس الزلزليّ

ـ طابع إيقاعيّ مرتكز على وزن الكلام

ـ قوالب موسيقيّة تولي الارتجال المتقَّن، أي التلحين الفوريّ، أهمّيّةً كبيرة

ـ طريقة أدائيّة مبنيّة على مجموعة التخت المكوّنة من الموسيقيّين المنفردين القادرين على الارتجال، مما يولّد نسيجًا خلاّبًا من التعدّد النغمي للأصوات، دون اللجوء إلى المعادلات الغربيّة

أهمية إنشاء مركز

تشكّل الموسيقى أحد أهم مواد الثقافة العربية، وما يحدث منذ بضعة عقود هو تغيير جذري للهوية الثقافية من خلال تعديل العناصر الأساسية في الموسيقى العربية

ما يسمى اليوم بـ"الأغنية الشبابية" لم يُبقِ من الموسيقى العربية سوى الكلام العربي المغنّى، إذ انها تعتمد على اقتباسات ساذجة لبنى موسيقيّة لحنيّة وأساليب أدائية مستوردة، ممّا يشكل عملية إلغاء لما سلف ذِكرُه عن موسيقى عربيةٍ عالمةٍ حافظت على تواصلها منذ العصر العبّاسيّ حتّى أواسط القرن العشرين

كما أنّ الأجيال الجديدة تنمو جاهلةً للمخزون الموسيقي التاريخي الثري. وباتت الأُذُن العربيّة الشابّة تستمع اليوم إلى موسيقى مجردةٍ من فحواها، لذلك يُخشى أن تُصبح السلالم اللحنية العربيّة غريبةً عن هذه الأذن، مما يهدّد الموسيقى العربية العالمة الأصيلة بالانقراض

أمام هذا الواقع المأساويّ والمهدّد لخير الأمة المشترك، لا بدَّ من التأسيس لعملٍ جادٍ لإعادة إحياء الموسيقى العربية العالمة، وذلك عبر إنشاء مركزٍ لها يتولّى تحقيق الأهداف الواردة في مقدمة هذا الاقتراح

خطة العمل

من أجل تحقيق الأهداف الواردة أعلاه لا بدّ من إنشاء مركز

وهنا نقترح ما يأتي  ـ

اولا : إنشاء هيئة ذات طابع قانونيّ يمكنها أن تتلقّى أرصدة الممولين

ثانيا : إنشاء مجلس أمناء يتألف من المموّلين والمؤسّسين للمركز، وتعيين منسق عام لهذا المجل

ثالثا : إنشاء مجلس ادراة

رابعا : اقتناء قطعة ارض في وسط بيروت مثلاً

خامسا : إنشاء وتجهيز بناء على نمط معماري عربي، يحوي قاعات للإدارة والتدريس وقاعة مسرح للسماع الحيّ ومكتبة وحديقة وموقف للسيارات

سادسا : تشكيل هيئة علميّة وهيئة تعليميّة وهيئة فنّيّة، متخصصة في مجال الموسيقى العربية العالمة

الخلاصة

عرضنا فيما سبق الحالة المتردّية التي آلت إليها الموسيقى العربيّة. فإذا كانت الموسيقى هي أفضل تعبير عن عفوية الروح الإنسانية، كما يقول أرسطو، فإن انقراض الموسيقى العربية العالمة هو جزءٌ من اندثار الهوية العربية

تجد الأمّة العربيّة نفسها في حقبة مفصلية على جميع الأصعدة، ففي زمن القرية الكونيّة الذي نعيشه اليوم، لا بدّ من نفض الغبار عن الكنوز الموسيقيّة العربية، وتعريف الإنسانيّة عليها

والموسيقى العربيّة، التي حافظت على تواصلها منذ العصر العباسيّ حتى أواسط القرن العشرين، تتّجه نحو مستقبل مظلم، بعيدًا عن طموحات الحضارة العربية وتطلّعاتها في مطلع الألفيّة الثالثة. يجدر بنا عدم الوقوف والبكاء على أطلال الموسيقى العربيّة بل القيام بعمل جادّ وإيجابيّ لإنقاذها

ولذلك ندعو محبّي الموسيقى العربية أن يساهموا فعليّاً في إنشاء هذا المركز. فالموسيقى الاستهلاكية تموّل نفسها بنفسها، أمّا الموسيقى العالمة لطالما موّلها المتنوّرون، فلولا رعاية الخديوي إسماعيل لمدرسة الحامولي وعثمان لما كانت هناك نهضة موسيقيّة عربيّة، ولولا رعاية الأرستقراطية الأوروبية للموسيقى الكلاسيكيّة، في الماضي، ورعاية وزارات الثقافة والمتموّلين المحبّين لها، في الحاضر، لما ازدهرت واستمرّت

(1)
الموسيقى العالمة مصطلح يشير إلى تقليد موسيقيّ مرتبط بنظريّة بيّنة

لمزيد من المعلومات الرجاء إرسال رسالة على البريد الالكتروني

Info@GlobalAdvocacy.com

 

25.1.2005
 

المهندس احمد يوسف

doteasy.com - free web hosting. Free hosting with no banners.

 

 

 

 

Copyright © 2004-2005 GlobalAdvocacy.com     
 All Rights Reserved

User Agreement | Privacy Policy