GLOBALADVOCACY . c o m

! كل واحد منكم يمكنه ان يخلق الحدث

   



 

 

 

 

اعادة احياء الحياة السياسية في لبنان

كيف يمكن اعادة احياء الحياة السياسية اللبنانية ؟

سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

من خلال صنع انسان القيمة وتحويل السياسة الى رسالة واحداث تحالفات على اساس المبادىء وربما من خلال الانفتاح على الجيل الجديد الذي لم يتلوّث بالوحل السياسي. ولكن المشكلة هي ان الجيل القديم اطبق على الجيل الجديد، بحيث انه حاصره في كلّ حاجاته واوضاعه وبدأ يخطط لان يكون امتدادا له

عندما ندرس السياسة في بعدها الانساني باعتبارها قيمة حركيّة تفتح للانسان في اي مجتمع من المجتمعات آفاق السلام من خلال تركيز وتأصيل العلاقات على اساس المواطنة في الوطن الواحد، وعلى اساس الانسانية في العالم، ومن خلال ذلك، تكون السياسة قيمة في البعد الانساني الحركي

عندما ندرس السياسة في هذا الاطار، فاننا قد ننفتح على عمق معنى السياسة. انه يمثّل عمق الروح الديني، بعيدا عن التقليد وعن الطقوس، لان الدين في الاساس يتمثل في هذا الانفتاح على الله الذي خلق الانسان، ليؤصل في حركته المحبة والرحمة. وعندما تلتقي المحبّة بالرحمة، فانها تنطلق نحو العدالة لان المحبّة تفرض على الانسان الاّ يغمط حقّ اخيه الانسان، بقطع النظر عن انتمائه الديني. فلا يجوز للمسيحي، اذا كان يختزن المحبّة، ان يسلب المسلم او اليهوديّ او الملحد حقّه الذي يملكه، سواء كان في جوانب مالية او غير مالية. كما لا يمكن للمسلم ان يسلب المسيحي والملحد واليهودي حقّه الذي يملكه. وهكذا بالنسبة الى الرحمة، لان الرحمة ليست مجرّد نبرة قلب وخفقة شعور، ولكن الرحمة منهج يجعلنا نعيش الانسان لنرحم امكاناته الفكرية، لنتواصل معه من خلال طبيعة هذه الامكانات. وهكذا ان نلاحظ ظروفه الاجتماعية وظروفه العامة حتى لا نثقل ظروفه بما لا يتناسب معها، لان ذلك يمثل قسوة في هذا المجال. ومن الطبيعي ان نتحدّث عن الحالة العائلية في علاقة الزوج بزوجته وبالعكس، وعلاقتهما بأولادهما، فلا بدّ ان لا يكون العنف هو الاساس في هذه العلاقة

من خلال ذلك كلّه، فاننا عندما ندرس السياسة في الواقع اللبناني، فقد نكتشف انها تحوّلت الى لعبة ولم تتحوّل الى رسالة. فالسياسة، في غالب الذين يمارسونها، تمثّل طموحا شخصيا، يشعر فيه الانسان بكلّ تطلّعاته الذاتية، ليحققها من خلال الموقع السياسي لتكون العناوين الكبرى التي يطلقها، مجرّد وسيلة من وسائل جذب الناس حوله من دون عمق في الطرح او عمق في الممارسة. انها تصبح بحسب تداول الحديث حولها انها لعبة، اللعبة السياسية وليست الرسالة السياسية

ولهذا فان التحالفات لم تنطلق، عندما تحدث بين فريق وآخر. عندما تحدث، لا تمثّل تحالفات على اساس المبادىء التي يمكن ان ترفع مستوى المواطن وتؤصل مستقبل الوطن، بل انها تمثّل مصالح بين هذا الفريق وذاك الفريق. ولذلك سقطت السياسة عن ان تصنع دولة، او تصنع مؤسسة في داخل هذه الدولة، او تحتضن انسانية الانسان. حتى ان الطائفية عندما طرحت في هذا المجال، فانها لم تتعمّق في رعاية الناس الذين يتحرّكون لهذه الطائفة او تلك، الذين ينتمون لهذه الطائفة او تلك الطائفة في انسانيتهم وفي حقوقهم وواجباتهم كمواطنين في البلد. بل ان الطائفية تحوّلت الى حالة من العصبيّة، بحيث ان العصبيّة هي التي تتحكّم في الطروحات وهي التي تؤكّد هذا المنهج او ذلك المنهج. ليست مسألة انسانية الانسان في الطائفة، كما هي ليست مسألة او منهج انسانية الانسان في المواطن. ولهذا اصبحت المواطنية مجرّد شلل متناثرة هنا وهناك، بحيث لم يعد لدينا وطن بل اصبحت المسألة مسألة مصالح واطماع وما الى ذلك في هذا المجال

لذلك نحن نقول، هل نستطيع امام كل هذا الوحل السياسي الذي جعل السياسة تغرق في وحول الذات، الذاتيات، ان نستطيع ان نصنع انسان القيمة. ربّما يطرح بعض الناس ان ننفتح على الجيل الجديد الذي لم يتلوّث بهذا الوحل السياسي. ولكن المشكلة هي ان الجيل القديم اطبق على الجيل الجديد، بحيث انه حاصره في كلّ حاجاته وفي كلّ اوضاعه وبدأ يخطط لان يكون امتدادا للجيل القديم. وهكذا رأينا كيف ان ولد السياسي لا بدّ ان يكمل دور ابيه، وان اخاه او ان حفيده او ان الذين ينتمون اليه، الى هذه العشيرة او تلك العشيرة (كلهم كذلك)، لان السياسة تراث ولا بدّ لهذا التراث ان يفرض نفسه

نحن نؤمن بالانسان بأنه يمكن ان يتأصّل، ويمكن ان ينفتح ويمكن ان يحرّك القيمة. ولكننا امام تعقيدات الطائفية الموجودة في لبنان، والتعقيدات الاقليمية والدولية التي اصبحت تشغل الانسان عن نفسه، بحيث لا يفرغ لحوار مع نفسه، وتشغل الانسان حتى عن ربّه، فلا يحاول ان ينفتح على ربّه، لان الكنيسة والمسجد اصبحت اسوارا تحيط بالانسان، وليست منطلقا يفتح الانسان على الهواء الطلق وعلى الصحو المبدع

الواقع انني لا املك الكثير من فرص التفاؤل في ان يكون لدينا وضع سياسي، افق سياسي، يمكن ان يركز للانسان معنى الرسالة، بحيث ينفتح السياسي على الانسان في انسانيته. وهناك نقطة لا بدّ لنا ان نشير اليها في هذا الاتجاه، وهي ان اللعبة السياسية في الانتخاب او في الوظائف زوّرت مصداقية الانسان. فاصبح الناخب يفكّر على طريقة المرشّح، واصبح الموظف يفكّر على طريقة ما يريده هذا الزعيم وذاك الزعيم. وبذلك اصبحت المسألة على طريقة المثل القائل : كما تكونون يولّى عليكم

 

27.12.2004
 
مقابلة اجرتها الدكتورة ماري كلود حلو سعادة في 27 كانون الاول 2004

سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

 

 

 

 

Copyright © 2004-2005 GlobalAdvocacy.com     
 
All Rights Reserved
User Agreement | Privacy Policy